الشيخ محمد النهاوندي

52

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

إعطاء ما تمنّيناه من حظّ قارون لَخَسَفَ بِنا أيضا في الأرض ، كما خسف بقارون ، لتوليد الغنى فيما مثل ما ولّده فيه من الكبر والتجبّر والبغي والفساد ونحوها من المهلكات وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ ولا ينجو من العذاب الْكافِرُونَ لنعم اللّه المكذّبون لرسله . أقول : في الآيات دلالة واضحة على ذمّ الغنى وحبّ الدنيا وتمنّي حطامها إلّا للتوصّل إلى مرضاة اللّه ودرجات الآخرة . عن كبشة الأنماري : أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « ثلاث اقسم عليهنّ ، واحدّثكم بحديث فاحفظوه ، فأمّا التي اقسم عليهن ، فانّه ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلّا زاده اللّه عزّا ، ولا فتح عبد باب مسألة إلّا فتح اللّه عليه باب فقر ، وامّا الذي أحدثكم فاحفظوه ، إنّما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه اللّه علما ومالا فهو يتّقي فيه ربّه ، ويصل فيه رحمه ، ويعمل للّه فيه بحقّه ، فهذا بأفضل المنازل . وعبد رزقه اللّه علما ، ولم يرزقه مالا ، فهو صادق النيّة يقول : لو أنّ لي مالا لعملت بعمل فلان ، فهو بنيّته ، وأجرهما سواء . وعبد رزقه اللّه مالا ، ولم يرزقه علما ، فهو لا يتقّي فيه ربّه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعمل للّه فيه بحقّه . وعبد لم يرزقه اللّه علما ولا مالا ، فهو يقول : لو أنّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيّته ، ووزرهما سواء » « 1 » . القمي : أنّه سأل بعض اليهود أمير المؤمنين عليه السّلام عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه ، فقال : « يا يهودي ، أمّا السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه ، فانّه الحوت الذي حبس يونس في بطنه ، فدخل في بحر القلزم ، ثمّ خرج إلى بحر مصر ، ثمّ دخل بحر طبرستان ، ثمّ خرج في دجلة العوراء « 2 » ثمّ مرّ به تحت الأرض حتى لحق بقارون . . . إلى أن قال : وكان يونس يسبّح اللّه ويستغفره ، فسمع قارون صوته . فقال للملك الموكّل به : انظرني فانّي أسمع كلاما ، فأوحي إلى الملك : انظره فأنظره ، فقال قارون : من أنت ؟ قال يونس : أنا المذنب الخاطئ يونس بن متّى . قال : فما فعل شديد الغضب للّه موسى بن عمران ؟ قال : هيهات هلك . قال : فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران ؟ قال : هلك . قال : فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سمّيت لي ؟ قال : هيهات ما بقي من آل عمران أحد . فقال قارون : وا أسفا على آل عمران ! فشكر اللّه تعالى له ذلك ، فأمر الملك الموكّل به أن يرفع العذاب عنه ايّام الدنيا » « 3 » .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 437 . ( 2 ) . في النسخة : العور ، وفي تفسير القمي : الغوراء ، وفي تفسير الصافي : الغور ، وما أثبتناه من معجم البلدان ، ودجلة العوراء : اسم لدجلة البصرة علم لها . معجم البلدان 2 : 503 . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 318 ، تفسير الصافي 4 : 105 .